في كلماته الأخيرة، لم يترك الفنان عبد القادر سالم وصيةً شخصية ولا حديثًا عن مجدٍ أو شهرة، بل قدّم خلاصة تجربته الإنسانية في ترديد هذه الأبيات البسيطة والعميقة من التراث السوداني:
«بوصيكم علي الولد اليتيم ربوه..
بوصيكم علي السيف السنين اسعوه..
بوصيكم علي الفايت الحدود واسوه..
وبوصيكم علي ضيف الهجوع عشوه»
هي كلمات تشبهه؛ صادقة، نابعة من وجدان الناس، ومتصلة بجوهر القيم السودانية الأصيلة.
تبدأ الوصايا باليتيم، رمز الضعف والاحتياج، وكأن الراحل يقول إن المجتمع يُقاس بقدرته على حماية أضعف أفراده. فالتربية هنا ليست مجرد إطعام أو كفالة، بل بناء إنسان، ومنحه الأمان والانتماء، وتعويضه عمّا فقده من حنان الدنيا. إنها دعوة لأن تكون الرحمة فعلًا يوميًا، لا شعارًا عابرًا.
ثم ينتقل إلى «السيف السنين»؛ ذلك الذي أنهكته السنين وقسوة العيش. في وصيته له دعوة للاعتراف بفضل الكبار، وبأن من صمدوا في وجه الزمن يستحقون السعي إليهم، لا إهمالهم. أما «الفايت الحدود»، فهو الإنسان الذي قذفته الظروف بعيدًا عن أهله وأرضه، فيوصينا بأن نواسيه، لأن الغربة ليست مسافة جغرافية فحسب، بل جرح داخلي لا يلتئم إلا بالتعاطف والاحتواء.
ويختم عبد القادر سالم وصاياه بـ«ضيف الهجوع»، ضيف الليل، الذي يأتي في ساعة السكون، حين تقل الحيلة وتغيب الخيارات. أن تعشوه، يعني أن تفتح له بابك وقلبك دون سؤال، وأن تكرم الإنسان لكونه إنسانًا. هكذا تحوّلت كلمات الفنان الراحل إلى ميثاق أخلاقي، يذكّرنا بأن الفن الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الصوت، بل يبقى حيًا ما دامت القيم التي حملها قادرة على إيقاظ الضمير.
