يُعدّ الشعر من أقدم وأصدق أشكال التعبير الأدبي عند العرب، حتى قيل فيه: «الشعر ديوان العرب»، لأنه الوعاء الذي حفظ تاريخهم، وأيامهم، وأنسابهم، وقيمهم قبل ظهور التدوين والكتب. فقد كان الشعر وسيلة العرب لتسجيل الأحداث الكبرى، وتمجيد البطولات، ورثاء الراحلين، والتعبير عن الحب والحكمة، فصار مرآة صادقة لحياتهم الاجتماعية والثقافية.
في المجتمع العربي القديم، كان الشاعر صوت القبيلة ولسانها الناطق، يرفع من شأنها إذا مدح، ويدافع عنها إذا هجا، ويخلّد أمجادها في أبيات تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل. ولم يكن الشعر مجرد فن لغوي، بل كان أداة تأثير قوية، تُحرّك المشاعر، وتشكّل الرأي العام، وتؤجّج الحماسة أو تهدّئ النفوس، بحسب المقام والمناسبة.
تميّز الشعر العربي بثروته اللغوية وعمق صوره البلاغية، واعتماده على الإيقاع والوزن والقافية، مما جعله قريبًا من الذاكرة وسهل الحفظ والتداول. كما تنوّعت أغراضه بين الفخر، والهجاء، والمدح، والغزل، والرثاء، والحكمة، فعبّر عن مختلف تجارب الإنسان العربي ومشاعره في السلم والحرب، والفرح والحزن.
ورغم تطور أشكال التعبير الأدبي الحديثة، ظل الشعر محتفظًا بمكانته في الثقافة العربية، يتجدّد في أساليبه ولغته، دون أن يفقد جوهره العميق. وما زال الشعر، قديمه وحديثه، ديوانًا حيًا للعرب، يحفظ ذاكرتهم، ويعكس وجدانهم، ويؤكد أن الكلمة الموزونة قادرة على عبور الزمن والبقاء.
